الضمانات الدستورية والسياسية لاحترام حقوق الإنسان
(نص المداخلة التي ساهم بها الأستاذ عبد القادر العلمي رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في ندوة حركة المطالبة بدستور ديمقراطي في 15 دجنبر2007)
إن اتساع نشاط الحركة الحقوقية ونضال القوى الديمقراطية خاصة في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات أسفر عن تحقيق بعض الخطوات الإيجابية في مجال حقوق الإنسان، وأقرت التعديلات الدستورية لسنة 1992 تشبث المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وتكرس ذلك في دستور سنة 1996، فضلا عن بعض الخطوات والتدابير التي عرفتها نفس المرحلة على المستوى المؤسساتي والسياسي، غير أن الانتهاكات لم تتوقف بسبب استمرار الممارسات المرتكزة على المفهوم القديم للسلطة، رغم المحاولة النظرية للقطع معها، وعدم توفر الضمانات الفعلية والكافية لاحترام حقوق الإنسان على أرض الواقع.
ولذلك فإنه مطلوب اليوم إقرار الضمانات الكافية على مستوى الدستور، وتعزيزها بخطوات سياسية، وتدابير عملية، تؤدي إلى تجاوز ما تبقى من عقليات وممارسات المراحل السابقة، التي يؤدي مغرب اليوم ثمنا باهظا في محاولة لتضميد بعض الجروح الموروثة عنها، ولو بشكل نسبي، لأن تلك الجروح كانت عميقة، وستبقى علامة على مرحلة رهيبة، وممارسات وانتهاكات، لا ينبغي السماح بتكرارها بأي شكل من الأشكال.
ومن الناحية النظرية فإنه منذ صدور أول دستور سنة 1962 تم إقرار بعض الحقوق والحريات، ولم تعرف البنود المتعلقة بهذا الموضوع تغييرات هامة في التعديلات الدستورية المتوالية، وضمن الصيغة الأخيرة التي أسفرت عنها تعديلات سنة 1996، فإن الحقوق المدنية والسياسية التي يقرها الدستور هي: حرية ممارسة الشؤون الدينية، وتساوي جميع المغاربة أمام القانون، وتساوي الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق السياسية، وحقهما في التصويت والترشح في الانتخابات، وحرية التجول، وحرية الرأي والتعبير، وحرية الاجتمـاع، و«حرية تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في المنظمات النقابية والسياسية»، ونص الدستور على عدم التعرض للاعتقال أو انتهاك حرمة المنزل إلا في إطار الإجراءات التي يحددها القانون، وعدم انتهاك سرية المراسلات، وحق الجميع في تقلد الوظائف العمومية، وحق الإضراب، وإن كان القانون التنظيمي لهذا الحق لم يصدر بعد.
ومما يُدرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية التي أغفل الدستور التنصيص عليها: الحق في الحياة والسلامة الشخصية، والحق في المعاملة الإنسانية والحماية من التعذيب، وهو ما ينص عليه الدستور التونسي (الفصل 13)، ولا ينص الدستور المغربي على أن البراءة هي الأصل، وعلى ضمانات المحاكمة العادلة، في حين ينص على ذلك الدستور التونسي (الفصل 12)، والدستور المصري (المادة 67)، ولا ينص الدستور المغربي على الحق في مغادرة التراب الوطني والعودة إليه بحرية، وهو ما ينص عليه الدستور التونسي (الفصلان10و11)، والدستور المصري (المادة51)، ولا ينص الدستور في المغرب على الحق في الإعلام، بالتماس الأنباء والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، ولا ينص على الحق في البيئة السليمة، ويجب تدارك هذه النقائص في التعديلات المقبلة.
وبالنسبة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نص الدستور المغربي على الحق في التربية، غير أن صياغة النص عامة وغير دقيقة، ويعتريها النقص بالمقارنة مع بعض الدساتير، وعلى سبيـل المثال ينص الدستور الإيطالي على أن «التعليم الابتدائي إلزامـي ومجاني لمدة لا تقل عن ثمانية سنوات» (المادة 34)، وينص الدستور المصري على أن التعليـم حق وإلزامي في المراحـل الابتدائية (المادة 18)، وينص الدستور المغربي كذلك على الحق في الشغل، وحق الملكية، وحرية المبادرة الخاصة، غير أنه أغفل بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية، كالحق في السكن اللائق، والحق في العلاج والتغطية الاجتماعية، وحق الأمومة والطفولة في الرعاية، وحقوق الأشخاص في حالات العجز والشيخوخة والإعاقة… وتنص كثير من الدساتير على هذه الحقوق، ويمكن الإشارة على سبيل المثال للدستور المصري الذي ينص على أن الدولة تكفل حماية الأمومة والطفولة (المادة10)، وتكفل الخدمات الثقافية والاجتماعية والصحية (المادة 16)، وتكفل الضمان الاجتماعي والصحي، ومعاشات العجز عن العمل والبطالة والشيخوخة (المادة 17)، وينص الدستور الإيطالي على أن الدولة تصون الصحة كحق أساسي للأفراد، وتضمن العناية المجانية للمحتاجين (المادة32).
وفضلا عن النقائص المشار إليها فإن الكثير من الحريات والحقوق التي نص عليها الدستور المغربي، لم تت















