إن تزايد انحدار مستوى العيش، واتساع دائرة الفقر، وانتشار العطالة، وما ينطوي عليه ذلك من تهديد لاستقرار المجتمعات بالنسبة للدول المتخلفة، وكذا بعض الدول المتقدمة صناعيا، جعل بعض المؤسسات الدولية تنبه حكومات الدول المعنية إلى ضرورة الاهتمام بالطبقة الوسطى التي تضطلع بأدوار محورية في شتى المجالات، والتي يعد تآكل حجمها مقابل اتساع الفئات الدنيا مؤشرا عن سوء توزيع الثروات، وما له من عواقب غير محمودة على توازن البنيان الاجتماعي.
وأضحت الكثير من الدول خاصة في العالم الثالث تراهن على الدور السياسيوالاقتصادي لهذه الطبقة لبناء مجتمع يسوده التوازن، باعتبار أن اتساع كتلةوحجم الطبقة الوسطى من شروط ومقومات بناء مجتمع أكثر أمنا واستقرارا.
والمغرب من البلدان التي يعنيها الموضوع بشكل أساسي بسبب الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تعمقت على مدى عقود من الزمن، وأصبحت نسبة الفقر مُقلقة، والمراتب التي يحصل عليها المغرب في سلم التنمية البشرية مُخجلة، فجاء خطاب العرش للسنة المنصرمة ليثير انتباه الحكومة إلى ضرورة الاهتمام بالطبقة الوسطى، مؤكداعلىتوسيع هذه الطبقة "لتشكل القاعدة العريضة، وعماد الاستقرار، والقوة المحركة للإنتاج والإبداع".
فما هي الطبقة الوسطى؟ وما هي مكوناتها؟ وماذا تعني بالنسبة للمغرب؟ وأي دور لها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟
1) ماهية الطبقة الوسطى:
لا يوجد تعريف دقيق تتقارب حوله آراء الباحثين والدارسين للطبقة الوسطى، كما أنه لا توجد معايير محددة لمفهوم هذه الطبقة الاجتماعية؛ ولا أعتقد أن هناك ضرورة في هذه العجالة للغوص في مفاهيم الطبقات الاجتماعية لدى المدارس المختلفة، غير أنه لا بأس من الإشارة إلى أن مصطلح الطبقة الوسطى بدأ يتردد في القرن التاسع عشر مع الثورة التجارية التي ظهرت بوادرها بأوربا الغربية في عصر النهضة، وكان لها دور هام في تغيير النظام الاجتماعي الذي كان يتكون من طبقتين بارزتين هما الطبقة الأرستقراطية، وطبقة العوام، ولما دعت حاجة التجارة إلى أماكن أمينة لخزن وتوزيع السلع، فقد تم إحداث مراكز تجارية محصنة عُرفت باسم برج (Bourg) ومنها اشتقت تسمية (بورجوازية) التي أطلقت على التجار، وباعتبار أن هؤلاء لا يدخلون في عداد المنتجين، وليسوا طرفا في علاقة الإنتاج القائمة بين الإقطاعيين والفلاحين، فقد سميت فئتهم بالطبقة الوسطى(1).
ويصف الخبراء والمحللون الاقتصاديون الطبقة الوسطى بأنهاالقاعدة العريضة للبنية الاقتصادية لأي مجتمع، وانتعاشها شرط لانتعاش الاقتصاد ونموه في ذاك المجتمع، وذلك بوصفها الجسر الرابط بينالطبقات الاجتماعية المختلفة، ومن شأن وجودها واتساعها ضمان الأمن والتطور الاقتصادي مع الحفاظ على التوازن المجتمعي، لأن "الذين لا يملكون شيئا يسعون إلى تغيير كل شيء، ومن يملكون الكثير لا يريدون تغيير أي شيء، ولا يأبهون لمصير الآخرين، أما من هم في الوسط فيسعون دائما إلى تحسين ظروف المعيشة" (2)
وتكمن أهمية الطبقة الوسطى بالنسبة لمؤسسة (ماكينزي) في اعتبارها مؤشرا على الاستقرار في دولة ما، وعلى آفاق واحتمالات نموها المستقبلي، إلى جانب أهميتها في قياس أثر الخوصصة على فاعلية الدور الذي تؤديه هذه الطبقة الاجتماعية (3).
وهناك من لا يستسيغ تسمية(الطبقة الوسطى) ويستعيض عنها بتعبير الفئات المتوسطة، باعتبار أن الطبقة في التعريف العلمي هي مجموعة من الأفراد الذين يربطهم ببقية المجتمع نوع من علاقات الإنتاج، إما ملكية وسائل الإنتاج، أو العمل عليها لمن لا يملكون إلا قدرتهم على العمل، وما بين هؤلاء أولئك، أي ما بين البورجوازية الكبيرة والطبقة العاملة توجد شرائح اجتماعية متعددة لها مصالح متباينة، وتضم أنواعا متنافرة ومختلفة من الأيديولوجيات والاتجاهات السياسية، وكثيرا ما يغير أفرادها مواقعهم واتجاهاتهم، أحيانا من النقيض إلى نقيضه، وفقا لتغير ظروف حياة بعضهم أو لتغير الأوضاع العامة في المجتمع.(4)
2) مكونات الطبقة الوسطى:
هناك من يحدد الطبقة الوسطى في جماعتين أساسيتين: إحداهما تشمل التجار وأصحاب المصانع الصغيرة ومن يعملون لحسابهم والذين لا يؤهلهم دخلهم ولا قوتهم لأن ينضموا لذوى النفوذ والجاه في الحياة السياسية والاقتصادية، وتشمل الجماعة الثانية: فئات أخرى مختلطة تضم المهنيين المستقلين كالأطباء والمحامين والمهندسين وكذا المديرين والتقنين كما تضم المث
















