الانتقال الديمقراطي بالمغرب
كتبهاعبد القادر العلمي ، في 28 يونيو 2006 الساعة: 05:16 ص
منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي بدأ مصطلح (المسلسل الديموقراطي) يُتداول في المنابر الإعلامية والخطابات السياسية، غير أن هذا (المسلسل) استغرقت حلقاته العديد من السنوات، وتكررت فيه المشاهد، حتى أصبحت مملة بالنسبة للمتتبعين من بعيد، ومخجلة لبعض الذين يؤدون أدوارها، ومقرفة بالنسبة لمن يتطلعون إلى نهاية سعيدة.
وبعد انتظار طويل، انتهى الكلام عن (المسلسل) الذي لم يصل إلى النهاية الطبيعية التي يُفترض أن يتجلى من خلالها تطور في البناء، وظلت الديموقراطية مجرد حلم يراود الأجيال عبر العقود المتوالية من الزمن، وهدف تسعى إليه بعض النخب، دون أن يتحقق منه على أرض الواقع سوى بعض المظاهر الشكلية، والخطابات النظرية، والواجهات التي تفتقر لمقومات البناء الديموقراطي السليم، وتنعدم فيها شروط المصداقية.
وعندما استنفذ الكلام عن (المسلسل) أغراضه التي انحصرت في تمطيط فترة الانتظار، دون تحقيق أي تقدم يذكر، بدأ الكلام في بداية العقد الأخير من القرن الماضي عن (الانتقال الديموقراطي)، مع ما رافق ذلك من بحث عن تناوب سياسي، يتوخى إدماج المعارضة السابقة في العمل الحكومي، وهو ما تم بالصورة التوافقية المعروفة سنة 1998، واعتبر الكثيرون أن تلك التجربة وإن كانت قد بنيت على انتخابات تشريعية مغشوشة، ومطعون فيها من طرف القوى الديموقراطية، ستكون هي البوابة التي سيتم عبرها الانتقال الديموقراطي!
والانتقال بمعناه العام يفيد وجود حركية وتحول، وخروج من وضع إلى آخر، مع تحقيق تطور بالنسبة للوضع السابق، وحينما يتعلق الأمر ببناء المجتمع الديموقراطي، فإن الحركية تعني إضافة لبنات جديدة تفضي إلى مرحلة متقدمة عن سابقتها في عملية البناء، أما إذا كانت الحركية لا تضيف أي شيء جديد، ولا تسفر عن أي تقدم، فإنها تكون بمثابة الدوران في الفراغ.
وبالنسبة لموضوع الانتقال الديموقراطي في بلادنا، فقد لوحظ أنه بعد انتهاء تجربة (التناوب التوافقي) جاءت مرحلة (جديدة قديمة) يستعصي وصفها في ضوء النظريات المعروفة في الفقه الدستوري، فهي وإن كانت قد بنيت على انتخابات أقل سوءا من سابقاتها، ولم تكن محل طعن سياسي كما كان عليه الحال في كل التجارب الانتخابية السابقة، فإن ما ترتب عنها لا يمكن اعتباره خطوة إضافية للتقدم نحو الديموقراطية المنشودة، لأن الانتخابات حتى إذا مرت في أتم شروط النزاهة والشفافية، لا تعني أن الانتقال قد حصل، لأن الانتخابات ليست هي الغاية في حد ذاتها، وإنما هي مجرد وسيلة، يختار الشعب من خلالها من يتولى التدبير المباشر للشأن العام بالنيابة عنه، وتحت مراقبته؛ وحينما يشعر الشعب بأن إرادته هي التي تتحدد على أساسها السياسة العامة، وهي مرجع اختيار الحاكمين، وأن هؤلاء هم من يتحمل المسؤولية الكاملة في تنفيذ البرامج التي تتجاوب معها وتساندها أغلبية المواطنين، حينذاك يحس كل مواطن(ة) بمعنى المشاركة في الانتخابات، ويدرك كل ناخب(ة) المسؤولية الموضوعة على عاتقه وهو يدلي بصوته، ويشعر الشعب بأنه معني بالحياة السياسية، ويهمه أن يتتبع ما يتحقق من منجزات وما لا يتحقق، وعلى هذا الأساس يحدد اختياره في الانتخابات الموالية.
ومن خلال التأمل في المرحلة السياسية التي تجتازها بلادنا حاليا، والتي لا تختلف كثيرا عن المراحل السابقة لما عرف بالتناوب التوافقي، فإننا نواجه عدة تساؤلات تطرح نفسها بإلحاح من قبيل: ما هي الغاية من الانتخابات إذا لم تكن نتائجها هي المرجع في تأسيس الحكومة؟ وما الفائدة من التنافس بين الأحزاب في وضع البرامج الاقتصادية والاجتماعية، إذا كان عمل الحكومة لا يحتاج سوى لتقنوقراطيين أو إداريين لتنفيذ سياسة وبرامج معدة من قبل؟ وما الجدوى من التعددية الحزبية نفسها، إذا كان لا يتاح للأحزاب أن تتحمل كامل المسؤولية في تنفيذ برامجها، إذا حظيت بثقة الناخبين، وحصلت على الأغلبية في مجلس النواب؟ وإلى أي حد تحق محاسبة أحزاب الأغلبية الحكومية، وهي مجرد مساهمة في التنفيذ؟ وما السبيل لمحاسبة أطراف أخرى مساهمة أيضا في التنفيذ دون أن تكون معنية بالانتخابات التي تجري في نهاية الولاية التشريعية؟ وكيف يمكن أن يتحقق الانتقال الديموقراطي، دون حضور وازن وفعال وذي مصداقية لأدوات الممارسة الديموقراطية، التي تأتي في مقدمتها الأحزاب السياسية؟؟
إن هذه التساؤلات تدخل في صلب الآلية الديموقراطية، وإذا ظلت معلقة، ودون أجوبة عملية تؤدي إلى تجاوزها والتقدم نحو الأمام، سيبقى الحديث عن الانتقال الديموقراطي، وإن اختلفت أساليبه ومصطلحاته من مرحلة إلى أخرى، مجرد تكرار لكلام يردده المتطلعون فعلا إلى الديموقراطية، كما يردده من يناوئونها في ذات الوقت على سبيل التمويه، ويظل الواقع دون تغيير حقيقي وإيجابي، حيث تنتصب عدة واجهات يتناوب عليها المتناوبون، دون أن تلامس بعملها ومردودها كنه الديموقراطية وجوهرها.
ومن المؤكد أن ديموقراطية الشكل لم تستنفذ أغراضها فحسب، وإنما عفا عنها الزمان، وأصبحت بمثابة العائق الذي يحول دون بعث الحماس والتعبئة، ولا تسمح بإضفاء المصداقية على المؤسسات، وتقف حجر عثرة في طريق التطور السياسي، والنمو الاقتصادي والاجتماعي، وتلك هي الإشكالية التي أضحى من الضروري طرحها بوضوح، وليس من الممكن تجاوزها إلا بمعالجتها، والانتقال إلى وضع يكون متقدما عن سابقه، ولا مجال فيه للعودة إلى التساؤلات المشار إليها.
وحتى لا يبقى انتظار استكمال حلقات الانتقال الديموقراطي، بمثابة انتظار الذي يأتي ولا يأتي، فإنه من المفروض القيام بعدة إصلاحات، لا تشمل النصوص والمجال النظري فقط، وإنما تتجاوز ذلك باتخاذ تدابير ميدانية، وخطوات عملية، لتحقيق انتقال فعلي إلى تجربة جديدة في أسسها، ومتطورة في طبيعتها ومضمونها، وذات قيمة مضافة في أدائها، ومنتجة في حصيلتها؛ وحينذاك سيصبح تحرك القطار واقعا ملموسا، مما سيفتح من جديد أبواب الأمل، ويعيد الحيوية للمشهد السياسي المغربي بعد أن أصبح مطبوعا برتابة مميتة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال سياسي | السمات:الديمقراطية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























يوليو 18th, 2006 at 18 يوليو 2006 10:19 م
اللهم لطفك
أغسطس 29th, 2006 at 29 أغسطس 2006 3:32 م
الأخ الأستاذ عبد القادر العلمي : سعدت كثيرا بمرورك الكريم على مدونة (بلا فرنسية) وتعليقك على موضوع اللغة العربية. كذلك اطلعت باهتمام كبير على موقك الشخصي ومدونتك، ونظرا لمعرفتك القانونية وتجربتك في الادارة العومية ونضالك مع حزب الاستقلال الذي يشارك في الحكومة اتمنى أن تفيدنا أكثر بالإجابة على التساؤلات التي تطرح على مدونة (بلا فرنسية) ومنها: لماذا عجزت الدولة على مواجهة سيطرة اللغة الفرنسية على كل القطاعات بما فيها القطاع العام؟ وماالسبيل لتغيير هذا الوضع؟ أتمنى تكرار الزيارة وشكرا. اخوك احمد