"رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب" الإمام الشافعي


حينما نستطيع أن نكتب شيئا مفيدا يروم الإصلاح والتقدم،  لا يعني ذلك أننا سنغير العالم، لكن قد تكون تلك الكتابة بمثابة قطرة تضاف إلى قطرات أخرى يمكن أن تحقق في مجموعها ارتواء منشودا

 

حرية الصحافة

كتبهاعبد القادر العلمي ، في 1 أكتوبر 2009 الساعة: 16:09 م

حرية الصحافة أي آفاق؟ 

 

إن تزايد حالات منع الصحف أو مصادرتها من طرف السلطة التنفيذية، إلى جانب التحقيقات والاستنطاقات التي تطال الصحافيين في المغرب أصبحت من الظواهر المقلقة والمسيئة لسمعة البلاد، واستمرار التجاذبات بين السلطة والمنابر الصحفية يجعل الغموض يحيط بآفاق حرية الصحافة بصفة خاصة، والحرية على وجه العموم، والتي هي من السمات الملازمة لطبيعة الكائن البشري قبل أن تقرها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وقبل أن تكون من مقومات البناء الديمقراطي الحقيقي.
وإذا كانت الأسباب المؤدية للمصادرة والمنع تختلف بحسب الحالات التي قد تكون بعضها في حاجة فعلا إلى معالجة ما، فإن الإشكال الحقوقي الذي يبقى مطروحا هو كيفية المعالجة، والجهة الموكول إليها ذلك، ومدى ملاءمة القانون المعمول به حاليا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وما هي الضمانات التي من المفروض أن يوفرها القانون للعمل الصحفي، وهنا مكمن الخلل، ذلك أن قرار منع جريدة أو مجلة، أو مصادرة عدد من أعدادها، أو حجزه قبل توزيعه، لا يُعقل أن يكون في يد الحكومة تتخذه متى شاءت بكامل السهولة واليسر ودون أي قيد قانوني، لأن الحكومة قد تكون في موقع الخصم بحكم أن الصحافة تنتقد بعض السياسات، وتفضح بعض الممارسات، وهذا من واجباتها، وعندما تكون سلطة المنع والمصادرة بيد الحكومة تصبح خصما وحكما في ذات الوقت، وهذا أمر لا يقبله المنطق الحقوقي، ولا ينسجم مع الوضع القانوني السليم.
وإذا كنا لا نجادل في ارتباط الحرية بالمسؤولية، وضرورة احترام كرامة الأشخاص، وعدم المساس بحقوقهم وحرياتهم باعتبار أن حقوق الإنسان لا معنى لها إلا في كليتها وشموليتها، غير أن المشكل الجوهري هو أن يمنح القانون سلاح الإعدام (سواء تعلق الأمر بجريدة أو حزب سياسي) للسلطة التنفيذية، فيكون الاحتمال الوارد هو استعماله بتعسف للأسباب التي سبقت الإشارة إليها، خاصة وأن أي حكومة كيفما كانت توجهاتها لا يمكن أن يروقها كل ما يُكتب حول برامجها وعملها، ولا يمكنها في نفس الوقت أن تُلزم الصحافة بخط تحريري معين، علما بأن المشاكل التي تُطرح مع الصحافة في بلادنا لا تتعلق فقط بالحكومة وإنما تهم كذلك جهات أخرى قد يكون نفوذها أوسع من نفوذ الحكومة نفسها.
ولهذا فإن عمق المشكل يتعلق بغياب الضمانات الكافية لحرية الصحافة، وأعتقد أن أهم هذه الضمانات التي ينبغي أن يقرها قانون جديد للصحافة هي جعل سلطة المنع في يد القضاء وحده، والذي ينبغي أن يبت في كل نازلة على ضوء نصوص قانونية واضحة لا لبس فيها، تقر الحرية كمبدأ أساسي، ويعالج كل قضية انطلاقا من مبدأ قرينة البراءة هي الأصل، ويُصدر أحكامه كسلطة مستقلة تماما عن السلطة التنفيذية، وبعيدة عن أي ضغط أو تأثير لأي جهة مهما كان نفوذها.
والخلاصة هي أن البلاد في حاجة إلى قانون جديد للصحافة لا يسمح لخصومها بالانتقام منها بسبب ما تنشره، ويجعل البت في قضايا الصحافة والنشر من اختصاص القضاء وحده، باعتباره ضمانة لكل الأطراف على أساس أن يزاول القضاء مهامه كسلطة تتمتع بكامل الاستقلال والحياد، ولا تخضع سوى لمقتضيات القانون.
وإذا كان ورش إصلاح القضاء قد فتح بعد أن طالبت بذلك عدة أصوات وعلى مدى عدة سنوات، فإنه لابد من نظرة إصلاحية شمولية لا تنحصر في وضع حد للفساد الذي ينخر الكثير من المحاكم وتحديث وسائل الاشتغال، وإنما تشمل أساسا الآليات الدستورية والقانونية والمؤسساتية التي تضمن استقلال السلطة القضائية ونزاهتها، وبكيفية موازية لهذا الورش لابد من ملاءمة القوانين مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لأنه حتى إذا تحقق استقلال ونزاهة القضاء وظلت القوانين متخلفة وغير منسجمة مع المبادئ الحقوقية المتعارف عليها دوليا، فإن أحكام القضاء ستعكس الخلل الموجود في القانون وبالتالي فإن الحرية تبقى مهددة؛ وإصلاح قانون الصحافة من المطالب التي تنادي بها الحركة الحقوقية المغربية إلى جانب النقابة الوطنية للصحافة والتي تتوخى في مجموعها تعزيز ضمانات حرية العمل الصحفي الذي لا ينبغي أن يكون مهددا باستمرار بسيف المنع التعسفي، والمحاكمات التي لا تتوفر فيها شروط النزاهة ولا تحقق العدل.
فهل ستقبل بلادنا على إصلاحات عميقة وذات أبعاد شمولية في مجالي التشريع والقضاء وفقا لما تدعو إيه الحاجة الملحة وما يطالب به المجتمع المدني، أم أن هذه الإصلاحات ستنحصر في جوانب جزئية مع إدخال تحسينات شكلية لا تفي بالغرض ولا تحقق الغاية المطلوبة؟
إننا نأمل أن يتم ترجيح فرضية الإصلاح الجذري الشامل ولو أن المعطيات المتوفرة تفيد بأن هذا مجرد أمل.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



بعد الانتهاء من الكتابة قم بتعليم النص ثم اضغط "Ctrl C" وعند لصقه اضغط "Ctrl V"