"رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب" الإمام الشافعي


حينما نستطيع أن نكتب شيئا مفيدا يروم الإصلاح والتقدم،  لا يعني ذلك أننا سنغير العالم، لكن قد تكون تلك الكتابة بمثابة قطرة تضاف إلى قطرات أخرى يمكن أن تحقق في مجموعها ارتواء منشودا

 

الانتهازية السياسوية

كتبهاعبد القادر العلمي ، في 24 يونيو 2009 الساعة: 13:48 م

 

أي آفاق في ظل الانتهازية السياسوية  
 
تكاد تُجمع آراء وانطباعات المهتمين والمتتبعين للحياة السياسية في المغرب على أن العنصر الحاسم في نتائج الانتخابات الجماعية التي جرت في 12 يونيو 2009 لا يتعلق بالبرامج ولا الكفاءات التي تضمنتها بعض اللوائح، وإنما كان الفضل في معظم الأحيان لصرف الأموال، وشراء الذمم، وامتهان الأساليب غير النظيفة، كتجنيد المرتزقة، وتكوين العصابات، وتوظيف الدين بأساليب ملتوية، أو استغلال القرب من السلطات العليا، وغير ذلك من أساليب الضغط والتضليل والاحتيال من أجل «الفوز» بالمقاعد.
وسواء خلال الحملة الانتخابية أو بعد إعلان النتائج، لوحظ أن كل الأطراف المتبارية تتبادل فيما بينها التهم بالإفساد، في حين أن الجميع ساهم بحظ وافر أو قليل في الإفساد، من خلال التسابق على الأعيان وسماسرة الانتخابات الذين يتنقلون بين الأحزاب التي تستعملهم لربح المقاعد، وهم يستعملونها من أجل أهداف انتهازية خاصة بهم، وينشرون في صراعهم من أجل هذه الأهداف (فيروس) الفساد في الأجسام الحزبية التي يدخلونها.
وإلى جانب الانتهازية التي تمارسها الكائنات الانتخابية داخل مختلف الأحزاب، وبقطع النظر عن الأساليب الغريبة وغير الشريفة التي استعملها البعض لتكوين الأغلبية واحتلال موقع الرئاسة، من شراء المستشارين واختطاف بعضهم، وتهديد آخرين، واعتماد أسلوب الشغب خلال انتخاب رؤساء وأعضاء مكاتب المجالس، وتحويل بعض قاعات الجماعات إلى حلبات للملاكمة، وتكسير صناديق الاقتراع، بالإضافة إلى هذه الظواهر الشاذة فإن التحالفات الهجينة، وغير الطبيعية، والبعيدة عن كل منطق سليم، التي بدأت تظهر منذ إعلان النتائج في شتى مناطق المغرب، تكشف بوضوح الانتهازية السياسوية التي تخدم أهداف ومزاجية بعض الأشخاص، أو أهداف حزبية ضيقة، دون أدنى اعتبار لمشاعر المواطنين، ولا للإرادة المعبر عنها من طرف الناخبين المشاركين في الاقتراع، وفي تجاوز سافر لكل القيم الوطنية، ودون أي التزام سياسي أو أخلاقي.
وهكذا فقد رأينا مثلا حزبا ينتمي للأغلبية الحكومية، ويدعي التقدمية والحداثة، يتحالف مع حزب يميني محافظ يتموقع في المعارضة، ضد حزب أو أحزاب أخرى يرتبط معها بتحالف داخل الحكومة، وكل ذلك من أجل الحصول في الغالب على مسؤوليات ثانوية في بعض المجالس، أو ما يمكن وصفه بفتات مائدة الحزب الذي يتحالف معه ضد حلفائه الطبيعيين، وكأنه يحاول بأي وسيلة إخفاء التراجع الذي عرفه منذ الانتخابات التشريعية لسنة 2007، ورأينا كذلك أحزابا لا يجمع بينها أي شيء تتحالف ضد أحزاب من المفروض أنها قريبة منها للحصول على مواقع لا تسمن ولا تغني من جوع، ورأينا أحزابا تحاصر أخرى وتحاربها بدعوى أنها فاسدة، وفي نفس الوقت تتحالف معها في منطقة أخرى من أجل أهداف انتهازية سياسوية لا علاقة لها بالصالح العام.
فهل يمكن بعد هذه المشاهد الهزلية والمؤلمة في ذات الوقت أن يستمر البعض في التساؤل عن أسباب مقاطعة معظم المغاربة لصناديق الاقتراع، بل وامتناع نسبة غير قليلة عن التسجيل في اللوائح الانتخابية، وهل يبقى هناك في ظل الواقع المكشوف ما يبرر التساؤل عن أسباب النفور من العمل السياسي والامتعاض من الممارسات الغريبة التي أصبحت قاسما مشتركا لمعظم «السياسيين»، أو بالأحرى الانتهازيين المتطفلين على العمل السياسي؟؟
وانطلاء اللعبة السياسوية على بعض القوى التي كان من المفروض أن تجسد تيار التغيير والإصلاح، يؤدي إلى مزيد من التيئيس والإحباط والإبعاد القسري للإرادات الطيبة والكفاءات الوطنية الجادة عن المشاركة في الحياة السياسية.
أما التساؤل الذي يحق لنا أن نطرحه اليوم فهو: هل هناك إرادة مبيتة لخلط كل الأوراق، وتعميم الفساد السياسي الذي يحول دون انخراط نخب وطنية نظيفة في الحياة السياسية ليبقى هذا المجال محصورا في «نشطاء» الانتهازية السياسوية الذين يسهل معهم وبهم تركيز السلطة والمال لدى جهة واحدة معينة، وإذا كانت هناك مؤشرات ترجح الجواب الإيجابي على هذا التساؤل، فهل يعني ذلك أنه لا أمل في التطور السياسي نحو الديمقراطية الحقة؟
وإذا كان هذا التساؤل يؤرق الغيورين وذوي المصلحة في التغيير وحاملي حلم الانتقال الديمقراطي، فإن الأمل في تجاوز ضبابية وتناقضات الوضع الراهن يبقى قائما، غير أن تحقيق الأمل يبقى رهينا بالخطوات العملية لكل المعنيين بالأمر.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقال سياسي | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



بعد الانتهاء من الكتابة قم بتعليم النص ثم اضغط "Ctrl C" وعند لصقه اضغط "Ctrl V"